فصل: تفسير الآية رقم (41)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّهُ مِنَ سليمان وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم‏}‏ فلذلك أيضاً أو لوقوعه في جواب سؤال مقدر كأنه قيل‏:‏ ممن هذا الكتاب وماذا مضمونه‏؟‏ فقيل‏:‏ إنه من سليمان الخ، ويحسن التأكيد بأن في جواب السؤال ولا أرى فرقاً في ذلك بين المحقق والمقدر، ويعلم مما ذكر أن ضمير ‏{‏أَنَّهُ‏}‏ الأول للكتاب وضمير ‏{‏أَنَّهُ‏}‏ الثاني للمضمون وإن لم يذكر، وليس في الآية ما يدل على أنه عليه السلام قدم اسمه على اسم الله عز وجل، وعلمها بأنه من سليمان يجوز أن يكون لكتابة اسمه بعد‏.‏

وقد أخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان أنه قال‏:‏ كتب سليمان بسم الله الرحمن الرحيم من سليمان بن داود إلى بلقيس ابنة ذي شرح وقومها أن لا تعلوا الخ، وجوز أن يكون لكتابته في ظاهر الكتاب وكان باطن الكتاب ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ‏}‏ الخ، وقيل‏:‏ ضمير ‏{‏أَنَّهُ‏}‏ الأول للعنوان وإنه عليه السلام عنون الكتاب باسمه مقدماً له فكتب من سليمان ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ‏}‏ الخ واستظهر هذا أبو حيان ثم قال‏:‏ وقدم عليه السلام اسمه لاحتمال أن يبدر منها ما لا يليق إذ كانت كافرة فيكون اسمه وقاية لاسم الله عز وجل وهو كما ترى، وكتابة البسملة في أوائل الكتب مما جرت به سنة نبينا صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية بلا خلاف، وأما قبله فقد قيل إن كتبه عليه الصلاة والسلام لم تفتتح بها، فقد أخرج عبد الرزاق‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وغيرهما عن الشعبي قال‏:‏ كان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم فكتب النبي صلى الله عليه وسلم أول ما كتب باسم اللهم حتى نزلت ‏{‏بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 41‏]‏ فكتب بسم الله ثم نزلت ‏{‏أَدْعُو الله أَوِ ادعوا الرحمن‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 110‏]‏ فكتب بسم الله الرحمن ثم نزلت آية النمل ‏{‏إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ‏}‏ الآية فكتب بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ وأخرج أبو داود في مراسيله عن أبي مالك قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب باسمك اللهم فلما نزلت ‏{‏إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ‏}‏ الآية كتب بسم الله الخ، وروي نحو ذلك عن ميمون بن مهران‏.‏ وقتادة، وهذا عندي مما لا يكاد يتسنى مع القول بنزول البسملة قبل نزول هذه الآية وهذا القول مما لا ينبغي أن يذهب إلى خلافه، فقد قال الجلال السيوطي في إتقانه اختلف في أول ما نزل من القرآن على أقوال، أحدها‏:‏ وهو الصحيح ‏{‏اقرأ إِنَّ رَبَّكَ‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 1‏]‏ واحتج له بعده أخبار منها خبر الشيخين في بدء الوحي وهو مشهور، وثانيها‏:‏ ‏{‏يأَيُّهَا المدثر‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 1‏]‏ وثالثها‏:‏ سورة الفاتحة، ورابعها‏:‏ البسملة ثم قال وعندي أن هذا لا يعد قولاً برأسه فإنه من ضرورة نزول السورة نزول البسملة معها فهي أول آية نزلت على الإطلاق اه‏.‏

وهو يقوي ما قلناه فإن البسملة إذا كانت أول آية نزلت كانت هي المفتتح لكتاب الله تعالى وإذا كانت كذلك كان اللائق بشأنه صلى الله عليه وسلم أن يفتتح بها كتبه كما افتتح الله تعالى بها كتابه وجعلها أول المنزل منه‏.‏

والقول بأنها نزلت قبل إلا أنه عليه الصلاة والسلام لم يعلم مشروعيتها في أوائل الكتب والرسائل حتى نزلت هذه الآية المتضمنة لكتابة سليمان عليه السلام إياها في كتابه إلى أهل سبأ مما لا يقدم عليه إلا جاهل بقدره عليه الصلاة والسلام، وذكر بعض الأجلة أنها إذا كتبت في الكتب والرسائل فالأولى أن تكتب سطراً وحدها‏.‏

وفي أدب الكتاب للصولي أنهم يختارون أن يبدأ الكاتب بالبسملة من حاشية القرطاس ثم يكتب الدعاء مساوياً لها ويستقبحون أن يخرج الكلام عن البسملة فاضلاً بقليل ولا يكتبونها وسطاف ويكون الدعاء فاضلاً اه‏.‏

وما ذكر من كتابة الدعاء بعدها لم يكن في الصدر الأول وإنما كان فيه كتابة من فلان إلى فلان‏.‏

وتقديم اسم الكاتب على اسم المكتوب له مشروع وإن كان الأول مفضولاً والثاني فاضلاً، ففي «البحر» عن أنس ما كان أحد أعظم حرمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أصحابه إذا كتبوا إليه كتاباً بدؤا بأنفسهم‏.‏

وقال أبو الليث في البستان له‏:‏ ولو بدأ بالمكتوب إليه جاز لأن الأمة قد أجمعت عليه وفعلوه انتهى‏.‏

وظاهر الآية أن البسملة ليست من الخصوصيات، وقال بعضهم‏:‏ إنها منها لكن باللفظ العربي والترتيب المخصوص، وما في كتاب سليمان عليه السلام لم تكن باللفظ العربي وترجمت لنا به وليس ذلك ببعيد‏.‏

وقرأ عبد الله ‏{‏وَأَنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ‏}‏ بزيادة واو، وخرجه أبو حيان على أنها عاطفة للجملة بعدها على جملة ‏{‏إِنّى ألقى‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 29‏]‏، وقيل‏:‏ هي واو الحال والجملة حالية، وقرأ عكرمة‏.‏ وابن أبي عبلة ‏{‏إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ‏}‏ بفتح همزة أن في الموضعين، وخرج على الإبدال من ‏{‏كِتَابٌ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 29‏]‏ أي ألقى إلى أنه الخ أو على أن يكون التقدير لأنه الخ كأنها عللت كرم الكتاب بكونه من سليمان وبكونه مصدراً باسم الله عز وجل، وقرأ أبي ‏{‏إِنَّ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ‏}‏ بفتح الهمزة وسكون النون، وخرج على أن أن هي المفسرة لأنه قد تقدمت جملة فيها معنى القول أو على أنها المخففة من الثقيلة وحذفت الهاء‏.‏ و‏{‏ءانٍ‏}‏ في قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏

‏{‏أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

‏{‏أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَىَّ‏}‏ يحتمل أن تكون مفسرة ولا ناهية‏.‏ ويحتمل أن تكون مصدرية ناصبة للفعل ولا نافية، وقيل‏:‏ يجوز كونها ناهية أيضاً، ومحل المصدر الرفع على أنه بدل من ‏{‏كِتَابٌ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 29‏]‏ أو خبر لمبتدأ مضمر يليق بالمقام أي مضمونه أن لا تعلوا على أي أن لا تتكبروا علي كما يفعل جبابرة الملوك، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في رواية وهب بن منبه‏.‏ والأشهب العقيلي ‏{‏أَن لا تَغْلُواْ‏}‏ بالغين المعجمة من الغلو وهي مجاوزة الحد أي أن لا تتجاوزا حدكم ‏{‏وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ‏}‏ عطف على ما قبله فإن كانت فيه لا ناهية فعطف الأمر عليه ظاهر وإن كانت نافية وأن مصدرية فعطفه عليه من عطف الإنشاء على الأخبار والكلام فيه مشهور، والأكثرون على جوازه في مثل هذا‏.‏ والمراد بالإسلام الإيمان أي وأتوني مؤمنين، وقيل‏:‏ المراد به الانقياد أي ائتوني منقادين مستسلمين‏.‏ والدعوة على الأول دعوة النبوة وعلى الثاني دعوة الملك واللائق بشأنه عليه السلام هو الأول‏.‏

وفي بعض الآثار كما ستعلم إن شاء الله تعالى ما يؤيده‏.‏ ولا يرد أنه يلزم عليه أن يكون الأمر بالإيمان قبل إقامة الحجة على رسالته فيكون استدعاء للتقليد لأن الدعوة المذكورة هي الدعوة الأولى التي لا تستدعي إظهار المعجزة وإقامة الحجة، وعادة الأنبياء عليهم السلام الدعوة إلى الإيمان أولاً فإذا عورضوا أقاموا الدليل وأظهروا المعجزة؛ وفيما نحن فيه لم يصدر معارضة، وقيل‏:‏ إن الدعوة ما كانت إلا مقرونة بإقامة الحجة لأن إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة التي ذكرت فيما مر أولاً معجزة باهرة دالة على رسالته عليه السلام دلالة بينة‏.‏ وتعقب بأن كون الإلقاء المذكور معجزة غير واضح خصوصاً وهي لم تقارن التحدي، ورجح الثاني بأن قولها‏:‏ ‏{‏إِنَّ الملوك‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 34‏]‏ الخ صريح في دعوة الملك والسلطنة‏.‏

وأجيب بأن ذاك لعدم تيقنها رسالته عليه السلام حينئذٍ أو هو من باب الاحتيال لجلب القوم إلى الإجابة بإدخال الروع عليهم من حيثية كونه عليه السلام ملكاً وهذا كما ترى، والظاهر أنه لم يكن في الكتاب أكثر مما قص الله تعالى وهو إحدى الروايتين عن مجاهد، وثانيتهما‏:‏ أن فيه السلام على من اتبع الهدى أما بعد فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين، وفي بعض الآثار أن نسخة الكتاب من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ السلام على من اتبع الهدى إلى آخر ما ذكر، ولعلها على ما هو الظاهر عرفت أنهم المعنيون بالخطاب من قرائن الأحوال، وقد تضمن ما قصه سبحانه البسملة التي هي هي في الدلالة على صفاته تعالى صريحاً والتزاماً والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل والأمر بالإسلام الجامع لأمهات الفضائل فيا له كتاب في غاية الإيجاز ونهاية الإعجاز، وعن قتادة كذلك كانت الأنبياء عليهم السلام تكتب جملاً لا يطيلون ولا يكثرون‏.‏

هذا ولم أر في الآثار ما يشعر بأنه عليه السلام كتب ذلك على الكاغد أو الرق أو غيرهما، واشتهر على ألسنة الكتاب أن الكتاب كان من الكاغد المعروف وأن الهدهد أخذه من طرفه بمنقاره فابتل ذلك الطرف بريقه وذهب منه شيء وكان ذلك الزاوية اليمنى من جهة أسفل الكتاب، وزعموا أن قطعهم شيئاً من القرطاس من تلك الزاوية تشبيهاً لما يكتبونه بكتاب سليمان عليه السلام وهذا مما لا يعول عليه ولسائر أرباب الصنائع والحرف حكايات من هذا القبيل وهي عند العقلاء أحاديث خرافة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏32‏]‏

‏{‏قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ‏(‏32‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَتْ ياأيها أَيُّهَا الملؤا *أَفْتُونِى فِى أَمْرِى‏}‏ كررت حكاية قولها للإيذان بغاية اعتنائها بما في حيزها، والإفتاء على ما قال صاحب المطلع الإشارة على المستفتي فيما حدث له من الحادثة بما عند المفتي من الرأي والتدبير وهو إزالة ما حدث له من الإشكال كالإشكاء إزالة الشكوى، وفي المغرب اشتقاق الفتوى من الفتى لأنها جواب في حادثة أو إحداث حكم أو تقوية لبيان مشكل، وأياً ما كان فالمعنى أشيروا علي بما عندكم من الرأي والتدبير فيما حدث لي وذكرت لكم خلاصته، وقصدت بما ذكرت استعطافهم وتطييب نفوسهم ليساعدوها ويقوموا معها وأكدت ذلك بقولها‏:‏ ‏{‏مَا كُنتُ قاطعة أَمْراً حتى تَشْهَدُونِ‏}‏ أي ما أقطع أمراً من الأمور المتعلقة بالملك إلا بمحضركم وبموجب آرائكم، والإتيان بكان للإيذان بأنها استمرت على ذلك أو لم يقع منها غيره في الزمن الماضي فكذا في هذا و‏{‏حتى تَشْهَدُونِ‏}‏ غاية للقطع‏.‏

واستدل بالآية على استحباب المشاورة والاستعانة بالآراء في الأمور المهمة، وفي قراءة عبد الله ‏{‏مَا كُنتُ لَكَ أمْراً‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

‏{‏قَالُواْ‏}‏ استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية قولها كأنه قيل‏:‏ فماذا قالوا في جوابها‏؟‏ فقيل قالوا‏:‏ ‏{‏نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ‏}‏ في الأجساد والعدد ‏{‏وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ‏}‏ أي نجدة وشجاعة مفرطة وبلاء في الحرب قيل‏:‏ كان أهل مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلاً كل واحد على عشرة آلاف، وروي ذلك عن قتادة‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ كان لصاحبة سليمان اثنا عشر ألف قيل تحت يد كل قيل مائة ألف، وقيل‏:‏ كان تحت يدها أربعمائة ملك كل ملك على كورة تحت يد كل ملك أربعمائة ألف مقاتل ولها ثلثمائة وزير يدبرون ملكها ولها اثنا عشر ألف قائد كل قائد تحت يده اثنا عشر ألف مقاتل، وهذه الأخبار إلى الكذب أقرب منها إلى الصدق، ولعمري أن أرض اليمن لتكاد تضيق عن العدد الذي تضمنه الخبران الأخيران، وليت شعري ما مقدار عدد رعيتها الباقين الذين تحتاج إلى هذا العسكر والقواد والوزراء لسياستهم وضبط أمورهم وتنظيم أحوالهم ‏{‏والامر إِلَيْكِ‏}‏ تسليم للأمر إليها بعد تقدم ما يدل على القوة والشجاعة حتى لا توهم أنه من العجز، والأمر بمعناه المعروف أو المعنى الشأن وهو مبتدأ ‏{‏وَإِلَيْكَ‏}‏ متعلق بمحذوف وقع خبراً له ويقدر مؤخراً ليفيد الحصر المقصود لفهمه من السياق أي والأمر إليك موكول‏.‏

‏{‏فانظرى مَاذَا تَأْمُرِينَ‏}‏ من الصلح والمقاتلة نطعك ونتبع رأيك، وقيل‏:‏ أرادوا نحن من أبناء الحرب لا من أبناء الرأي والمشورة وإليك الرأي والتدبير فانظري ماذا ترين نكن في الخدمة فلما أحست منهم الميل إلى الحرب والعدول عن السنن الصواب شرعت في تزييف مقالتهم المنبئة عن الغفلة عن شأن سليمان عليه السلام حسبما تعتقده

‏[‏بم وذلك قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏34‏]‏

‏{‏قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ‏(‏34‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَتْ إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً‏}‏ من القرى على منهاج المقاتلة والحرب ‏{‏أَفْسَدُوهَا‏}‏ بتخريب عماراتها وإتلاف ما فيها من الأموال‏.‏

‏{‏وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً‏}‏ بالقتل والأسر والإجلاء وغير ذلك من فنون الإهانة والإذلال، ولم يقل وأذلوا أعزة أهلها مع أنه أخصر للمبالغة في التصيير والجعل ‏{‏وكذلك يَفْعَلُونَ‏}‏ تصديق لها من جهته عز وجل على ما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أو هو من كلامها جاءت به تأكيداً لما وصفت من حالهم بطريق الاعتراض التذييلي وتقرير له بأن ذلك عادتهم المستمرة فالضمير للملوك، وقيل‏:‏ هو لسليمان ومن معه فيكون تأسيساً لا تأكيداً‏.‏ وتعقب بأن التأكيد لازم على ذلك أيضاً للإندراج تحت الكلية وكأنها أرادت على ما قيل‏:‏ إن سليمان ملك والملوك هذا شأنهم وغلبتنا عليه غير محققة ولا اعتماد على العدد والعدة والشجاعة والنجدة فربما يغلبنا فيكون ما يكون فالصلح خير، وقيل‏:‏ إنها غلب على ظنها غلبته حيث رأت أنه سخر له الطير فجعل يرسله بأمر خاص إلى شخص خاص مغلق عليه الأبواب فأشارت لهم إلى أنه يغلب عليهم إذا قاتلوه فيفسد القرى ويذل الأعزة وأفسدت بذلك رأيهم وما أحسته منهم من الميل إلى مقاتلته عليه السلام وقررت رأيها بقولها‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏35‏]‏

‏{‏وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِنّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون‏}‏ حتى أعمل بما يقتضيه الحال، وهذا ظاهر في أنها لم تثق بقبوله عليه السلام هديتها‏.‏

وروى أنها قالت لقومها‏:‏ إن كان ملكاً دنياوياً أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك وإن كان نبياً لم يرضه المال وينبغي أن نتبعه على دينه، والهدية اسم لما يهدي كالعطية اسم لما يعطي، والتنوين فيها للتعظيم؛ و‏{‏نَاظِرَةٌ‏}‏ عطف على ‏{‏مُرْسِلَةٌ‏}‏ و‏{‏بِمَ‏}‏ متعلق بيرجع‏.‏ ووقع للحوفي أنه متعلق بناظرة وهو وهم فاحش كما في «البحر»، والنظر معلق والجملة في موضع المفعول به له والجملة الاسمية الدالة على الثبات المصدرة بحرف التحقيق للإيذان بأنها مزمعة على رأيها لا يلويها عنه صارف ولا يثنيها عاطف‏.‏

واختلف في هديتها فعن ابن عباس أنها كانت مائة وصيف ومائة وصيفة، وقال وهب‏.‏ وغيره‏:‏ عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية فألبست الجواري لبس الغلمان الأقبية والمناطق وألبست الغلمان لباس الجواري وجعلت في أيديهم أساور الذهب وفي أعناقهم أطواق الذهب وفي آذانهم أقرطة وشنوفاً مرصعة بأنواع الجواهر وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون على كل فرس سرج من الذهب مرصع بالجوهر وعليه أغشية الديباج وبعثت إليه لبنات من ذهب ولبنات من فضة وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت وأرسلت بالمسك والعنبر والعود وعمدت إلى حق فجعلت فيه درة عذراء وخرزة جزع معوجة الثقب ودعت رجلاً من أشراف قومها يقال له المنذر بني عمرو وضمت إليه رجالاً من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتاباً تذكر فيه الهدية وقالت فيه‏:‏ إن كنت نبياً ميز بين الغلمان والجواري وأخبر بما في الحق قبل أن تفتحه ثم قالت للرسول‏:‏ فإن أخبر فقل له اثقب الدرة ثقباً مستوياً وأدخل في الخرزة خيطاً من غير علاج أنس ولا جن وقالت للغلمان‏:‏ إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام فيه تأنيث وتخنث يشبه كلام النساء وأمرت الجواري أن يكلموه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثم قالت للرسول‏:‏ انظر إلى الرجل إذا دخلت فإن نظر إليك نظراً فيه غضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره فأنا أعز منه وإن رأيت الرجل بشاشاً لطيفاً فاعلم أنه نبي فتفهم منه قوله ورد الجواب فانطلق الرجل بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعاً إلى سلمان فأخبره الخبر فأمر عليه السلام الجن أن يضربوا لبنا من الذهب والفضة ففعلوا وأمرهم بعمل ميدان مقدار تسع فراسخ وأن يفرشوا فيه لبن الذهب والفضة وأن يخلو قدر تلك اللبنات التي معهم وأن يعملوا حول الميدان حائطاً مشرفاً من الذهب والفضة ففعلوا ثم قال‏:‏ أي دواب البر والبحر أحسن فقالوا‏:‏ يا نبي الله ما رأينا أحسن من دواب في البحر يقال لها كذا وكذا مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ونواص قال علي بها الساعة فأتوه بها قال‏:‏ شدوها عن يمين الميدان وشماله وقال للجن‏:‏ علي بأولادكم فاجتمع منهم خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان وعلى شماله وأمر الجن‏.‏

والإنس‏.‏ والشياطين‏.‏ والوحوش‏.‏ والسباع‏.‏ والطير ثم قعد في مجلسه على سريره ووضع أربعة آلاف كرسي على يمينه وعلى شماله وأمر جميع الإنس‏.‏ والجن‏.‏ والشياطين‏.‏ والوحوش‏.‏ والسباع‏.‏ والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان عليه السلام ورأوا الدواب التي لم يروا مثلها تروث على لبن الذهب والفضة تصاغرت إليهم أنفسهم وخبؤا ما كان معهم من الهدايا، وقيل‏:‏ إنهم لما رأوا ذلك الموضع الخالي من اللبنات خالياً خافوا أن يتهموا بذلك فوضعوا ما معهم من اللبن فيه ولما نظروا إلى الشياطين هالهم ما رأوا وفزعوا فقالت لهم الشياطين‏:‏ جوزوا لا بأس عليكم وكانوا يمرون على كراديس الجن‏.‏ والوحش‏.‏ والطير حتى وقفوا بين يدي سليمان فأقبل عليهم بوجه طلق وتلقاهم ملقى حسناً وسألهم عن حالهم فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا فيه وأعطاه الكتاب فنظر فيه وقال‏:‏ أين الحق فأتى به فحركه فجاء جبريل عليه السلام فأخبره بما فيه فقال لهم‏:‏ إن فيه درة غير مثقوبة وجزعة معوجة الثقب قال الرسول‏:‏ صدقت فاثقب الدرة وأدخل الخيط في الجزعة فقال سليمان عليه السلام من لي بثقبها وسأل الجن والإنس فلم يكن عندهم علم ذلك ثم سأل الجن والإنس فلم يكن عندهم علم ذلك ثم سأل الشياطين فقالوا نرسل إلى الأرضة فلما جاءت أخذت شعرة بفيها ونفذت في الدرة حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها‏:‏ ما حاجتك‏؟‏ قالت‏:‏ تصير رزقي في الشجر فقال‏:‏ لك ذلك ثم قال‏:‏ من لهذه الخرزة‏؟‏ فقالت دودة بيضاء‏:‏ أنا لها يا نبي الله فأخذت الخيط بفيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر فقال‏:‏ ما حاجتك‏؟‏ قالت‏:‏ يكون رزقي في الفواكه فقال‏:‏ لك ذلك ثم ميز بين الغلمان والجواري أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فجعلت الجارية تأخذ الماء بيدها وتضرب بها الأخرى وتغسل وجهها والغلام يأخذ الماء بيديه ويضرب به وجهه وكانت الجارية تصب الماء على باطن ساعديها والغلام على ظاهره ثم رد سليمان عليه السلام الهدية كما أخبر الله تعالى، وقيل‏:‏ إنها أنفذت مع هداياها عصا كان يتوارثها ملوك حمير وقالت‏:‏ أريد أن تعرفني رأسها من أسفلها وبقدح ماء وقالت‏:‏ تملؤه ماء رواء ليس من الأرض ولا من السماء فأرسل عليه السلام العصا إلى الهواء وقال أي الطرفين سبق إلى الأرض فهو أصلها وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملأ القدح من عرقها وقال‏:‏ هذا ليس من ماء الأرض ولا من ماء السماء اه‏.‏ وكل ذلك أخبار لا يدري صحتها ولا كذبها، ولعل في بعضها ما يميل القلب إلى القول بكذبه والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

‏{‏فَلَمَّا جَآء سليمان‏}‏ في الكلام حذف أي فأرسلت الهدية فلما جاء الخ، وضمير ‏{‏جَاء‏}‏ للرسول، وجوز أن يكون لما أهدت إليه والأول أولى، وقرأ عبد الله ‏{‏فَلَمَّا‏}‏ أي المرسلون ‏{‏سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ‏}‏ خطاب للرسول والمرسل تغليباً للحاضر على الغائب وإطلاقاً للجمع على الاثنين، وجوز أن يكون للرسول ومن معه وهو أوفق بقراءة عبد الله، ورجح الأول لما فيه من تشديد الإنكار والتوبيخ المستفادين من الهمزة على ما قيل وتعميمهما لبلقيس وقومها، وأيد بمجىء قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ارجع إِلَيْهِمْ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 37‏]‏ بالإفراد؛ وتنكير ‏{‏مَّالِ‏}‏ للتحقير‏.‏

وقرأ جمهور السبعة ‏{‏تمدونن‏}‏ بنونين وأثبت بعض الياء‏.‏ وقرأ حمزة بإدغام نون الرفع في نون الوقاية وإثبات ياء المتكلم‏.‏ وقرأ المسيبي عن نافع بنون واحدة خفيفة والمحذوف نون الوقاية، وجوز أن يكون الأولى فرفعه بعلامة مقدرة كما قيل في قوله‏:‏

أبيت أسري وتبيتي تدلكي *** وجهك بالعنبر والمسك الذكي

‏{‏فَمَا عَبْدُ الله‏}‏ أي من النبوة والملك الذي لا غاية وراءه ‏{‏خَيْرٌ مّمَّا ءاتِيكُمْ‏}‏ أي من المال الذي من جملته ما جئتم به، وقيل‏:‏ عنى بما آتاه المال لأنه المناسب للمفضل عليه والأول أولى لأنه أبلغ، والجملة تعليل للإنكار والكلام كناية عن عدم القبول لهديتهم، وليس المراد منه الافتخار بما أوتيه فكأنه قيل‏:‏ أنكر إمدادكم إياي بمال لأن ما عندي خير منه فلا حاجة لي إلى هديتكم ولا وقع لها عندي، والظاهر أن الخطاب المذكور كان أول ما جاؤه كما يؤذن به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ‏}‏ الخ، ولعل ذلك لمزيد حرصه على إرشادهم إلى الحق، وقيل‏:‏ لعله عليه السلام قال لهم ما ذكر بعد أن جرى بينهم وبينه ما جرى مما في خبر وهب‏.‏ وغيره، واستدل بالآية على استحباب رد هدايا المشركين‏.‏

والظاهر أن الأمر كذلك إذا كان في الرد مصلحة دينية لا مطلقاً، وإنما لم يقل‏:‏ وما آتاني الله خير مما آتاكم لتكون الجملة حالاً لما أن مثل هذه الحال وهي الحال المقررة للإشكال يجب أن تكون معلومة بخلاف العلة وهي هنا ليست كذلك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ‏}‏ إضراب عما ذكر من إنكار الإمداد بالمال وتعليله إلى بيان ما حملهم عليه من قياس حاله عليه السلام على حالهم وهو قصور همتهم على الدنيا والزيادة فيها فالمعنى أنتم تفرحون بما يهدى إليكم لقصور همتكم على الدنيا وحبكم الزيادة فيها، ففي ذلك من الحط عليهم ما لا يخفى، والهدية مضافة إلى المهدي إليه وهي تضاف إلى ذلك كما تضاف إلى المهدي أو إضراب عن ذلك إلى التوبيخ بفرحهم بهديتهم التي أهدوها إليه عليه السلام فرح افتخار وامتنان واعتداد بها، وفائدة الإضراب التنبيه على أن إمداده عليه السلام بالمال منكر قبيح، وعد ذلك مع أنه لا قدر له عنده عليه السلام مما يتنافس فيه المتنافسون أقبح والتوبيخ به أدخل، قيل‏:‏ وينبىء عن اعتداهم بتلك الهدية التنكير في قول بلقيس‏:‏

‏{‏وَإِنّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 35‏]‏ بعد عدها إياه عليه السلام ملكاً عظيماً‏.‏

وكذا ما تقدم في خبر وهب‏.‏ وغيره من حديث الحق والجزعة وتغيير زي الغلمان والجواري وغير ذلك، وقيل‏:‏ فرحهم بما أهدوه إليه عليه السلام من حيث توقعهم به ما هو أزيد منه فإن الهدايا للعظماء قد تفيد ما هو أزيد منها ما لا أو غيره كمنع تخريب ديارهم هنا، وقيل‏:‏ الكلام كناية عن الرد، والمعنى أنتم من حقكم أن تفرحوا بأخذ الهدية لا أنا فخذوها وافرحوا وهو معنى لطيف إلا أن فيه خفاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏اْرجِعِ‏}‏ أمر للرسول ولم يجمع الضمير كما جمعه فيما تقدم من قوله‏:‏ ‏{‏أتمدونني‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 36‏]‏ الخ لاختصاص الرجوع به بخلاف الإمداد ونحوه، وقيل‏:‏ هو أمر للهدهد محملاً كتاباً آخر وأخرج ذلك ابن أبي حاتم عن زهير بن زهير‏.‏

وتعقب بأنه ضعيف دراية ورواية‏.‏ وقرأ عبد الله ‏{‏الحاكمين ارجعوا‏}‏ على أنه أمر للمرسلين والفعل هنا لازم أي انقلب وانصرف ‏{‏إِلَيْهِمُ‏}‏ أي إلى بلقيس وقومها ‏{‏فَلَنَأْتِيَنَّهُم‏}‏ أي فوالله لنأتينهم ‏{‏بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا‏}‏ أي لا طاقة لهم بمقاومتها ولا قدرة لهم على مقابلتها وأصل القبل المقابلة فجعل مجازاً أو كناية عن الطاقة والقدرة عليها‏.‏ وقرأ عبد الله ‏{‏بِهِمُ‏}‏ ‏{‏وَلَنُخْرِجَنَّهُم‏}‏ عطف على جواب القسم ‏{‏مِنْهَا‏}‏ أي من سبأ ‏{‏أَذِلَّةٍ‏}‏ أي حال كونهم أذلة بعدما كانوا فيه من العز والتمكين، وفي جمع القلة تأكيد لذلتهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُمْ صاغرون‏}‏ حال أخرى، والصغار وإن كان بمعنى الذل إلا أن المراد به هنا وقوعهم في أسر واستعباد فيفيد الكلام أن إخراجهم بطريق الأسر لا بطريق الإجلاء وعدم وقوع جواب القسم لأنه كان معلقاً بشرط قد حذف عند الحكاية ثقة بدلالة الحال عليه كأنه قيل‏:‏ ارجع إليهم فليأتوني مسلمين وإلا فلنأتينهم الخ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏38‏]‏

‏{‏قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ‏(‏38‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ يَاءادَمُ أَيُّهَا الملؤا أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ‏}‏ في الكلام حذف أي فرجع الرسول إليها وأخبرها بما أقسم عليه سليمان فتجهزت للمسير إليه إذ علمت أنه نبي ولا طاقة لها بقتاله، فروي أنها أمرت عند خروجها فجعل عرضها في آخر سبعة أبيات بعضها في جوف بعض في آخر قصر من قصورها وغلقت الأبواب ووكلت به حراساً يحفظونه وتوجهت إلى سليمان في أقيالها وأتباعهم وأرسلت إلى سليمان إني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، قال عبد الله بن شداد‏:‏ فلما كانت على فرسخ من سليمان قال‏:‏ أيكم يأتيني بعرشها‏.‏

وعن ابن عباس كان سليمان مهيباً لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه فنظر ذات يوم رهجاً قريباً منه فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقالوا‏:‏ بلقيس فقال‏:‏ أيكم الخ، ومعنى مسلمين على ما روي عنه طائعين، وقال بعضهم‏:‏ هو بمعنى مؤمنين، واختلفوا في مقصوده عليه السلام من استدعائه عرشها، فعن ابن عباس‏.‏ وابن زيد أنه عليه السلام استدعى ذلك ليريها القدرة التي هي من عند الله تعالى وليغرب عليها، ومن هنا قال في «الكشاف»‏:‏ لعله أوحى إليه عليه السلام باستيثاقها من عرشها فأراد أن يغرب عليها ويريها بذلك بعض ما خصه الله تعالى به من إجراء العجائب على يده مع اطلاعها على عظيم قدرة الله تعالى وعلى ما يشهد لنبوة سليمان عليه السلام ويصدقها انتهى؛ وتقييد الإتيان بقوله‏:‏ ‏{‏قَبْلُ‏}‏ الخ لما أن ذلك أبدع وأغرب وأبعد من الوقوع عادة وأدل على عظيم قدرة الله عز وجل وصحة نبوته عليه السلام وليكون اطلاعها على بدائع المعجزات في أول مجيئها‏.‏

وقال الطبري‏:‏ أراد عليه السلام أن يختبر صدق الهدهد في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 23‏]‏ واستبعد ذلك لعدم احتياجه عليه السلام إلى هذا الاختبار فإن أمارة الصدق في ذلك في غاية الوضوح لديه عليه السلام لا سيما إذا صح ما روي عن وهب‏.‏ وغيره‏.‏ وقيل‏:‏ أراد أن يؤتى به فينكر ويغير ثم ينظر أتثبته أم تنكره اختباراً لعقلها‏.‏

وقال قتادة‏:‏ وابن جريج‏:‏ إنه عليه السلام أراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإيمان ويمنع أخذ أموالهم‏.‏ قال في «الكشف»‏:‏ فيه أن حل الغنائم مما اختص به نبينا صلى الله عليه وسلم، وقال في التحقيق لا يناسب رد الهدية‏.‏ وتعليله بقوله‏:‏ ‏{‏فما آتاني الله خير مما آتاكم‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 36‏]‏‏.‏ وأجيب بأن هذا ليس من باب أخذ الغنائم وإنما هو من باب أخذ مال الحربي والتصرف بغير رضاه مع أن الظاهر أنه بوحي فيجوز أنه من خصوصياته لحكمة ولم يكن ذلك هدية لها حتى لا يناسب الرد السابق وفيه بحث، ولعل الألصق بالقلب أن ذاك لينكره فيمتحنها اختباراً لعقلها مع إراءتها بعض خوارقه الدالة على صحة نبوته وعظيم قدرة الله عز وجل‏.‏ ثم الظاهر أن هذا القول بعد رد الهدية وهو الذي عليه الجمهور‏.‏

وفي رواية عن ابن عباس أنه عليه السلام قال ذلك حين ابتدأ النظر في صدق الهدهد من كذبه لما قال‏:‏ ‏{‏وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 23‏]‏ ففي ترتيب القصص تقديم وتأخير وأظن أنه لا يصح هذا عن ابن عباس‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏39‏]‏

‏{‏قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ‏(‏39‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ عِفْرِيتٌ‏}‏ أي خبيث مارد ‏{‏مّن الجن‏}‏ بيان له إذ يقال للرجل الخبيث المنكر الذي يعفر أقرانه، وقرأ أبو حيوة ‏{‏عِفْرِيتٌ‏}‏ بفتح العين‏.‏ وقرأ أبو رجاء‏.‏ وأبو السمال‏.‏ وعيسى ورويت عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ‏{‏عفرية‏}‏ بكسر العين وسكون الفاء وكسر الراء بعدها ياء مفتوحة بعدها تاء التأنيث، وقال ذو الرمة‏:‏

كأنه كوكب في أثر عفرية *** مصوب في سواد الليل منقضب

وقرأ فرقة ‏{‏عفر‏}‏ بلا ياء ولا تاء ويقال في لغة طيء وتميم‏:‏ عفراة بألف بعدها تاء التأنيث، وفيه لغة سادسة عفارية؛ وتاء عفريت زائدة للمبالغة في المشهور‏.‏ وفي النهاية الياء في عفرية وعفارية للإلحاق بشرذمة وعذافرة والهاء فيهما للمبالغة والتاء في عفريت للإلحاق بقنديل اه‏.‏ واسم هذا العفريت على ما أخرج ابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم عن ابن عباس صخر‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم‏.‏ وابن جرير عن شعيب الجبائي أن اسمه كوزن‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان أن اسمه كوزي‏.‏ وقيل‏:‏ اسمه ذكوان ‏{‏الجن أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ‏}‏ أي بعرشها، وآتي يحتمل أن يكون مضارعاً وأن يكون اسم فاعل‏.‏ قيل‏:‏ وهو الأنسب بمقام ادعاء الإتيان به في المدة المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ‏}‏ أي من مجلسك الذي تجلس فيه للحكومة وكان عليه السلام يجلس من الصبح إلى الظهر في كل يوم قاله قتادة‏.‏ ومجاهد‏.‏ ووهب‏.‏ وزهير بن محمد‏.‏ وقيل‏:‏ أي قبل أن تستوي من جلوسك قائماً ‏{‏وَإِنّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ‏}‏ لا يثقل على حمله‏.‏ والقوة صفة تصدر عنها الأفعال الشاقة ويطيق بها من قامت به لتحمل الأجرام العظيمة ولذا اختير قوي على قادر هنا، وظاهر كلام بعضهم أن في الكلام حذفاً فمنهم من قال‏:‏ أي على حمله ومنهمق ال‏:‏ أي على الإتيان به، ورجح الثاني بالتبادر نظراً إلى أول الكلام‏.‏ والأول بأنه أنسب بقوله لقوي ‏{‏أَمِينٌ‏}‏ لا أقتطع منه شيئاً ولا أبدله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏40‏]‏

‏{‏قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ‏(‏40‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب‏}‏ فصله عما قبله للإيذان بما بين القائلين ومقالتيهما وكيفيتي قدرتيهما على الإتيان به من كمال التباين أو لإسقاط الأول عن درجة الاعتبار‏.‏ واختلف في تعيين هذا القائل فالجمهور ومنهم ابن عباس‏.‏ ويزيد بن رومان‏.‏ والحسن على أنه آصف بن برخيا بن شمعيا بن منكيل، واسم أمه باطورا من بني إسرائيل كان وزير سليمان على المشهور، وفي «مجمع البيان» أنه وزيره وابن أخته وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم، وقيل كان كاتبه‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أنه رجل اسمه اسطوم، وقيل‏:‏ اسطورس‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد أنه رجل يقال له ذو النور‏.‏ وأخرج هو أيضاً عن ابن لهيعة أنه الخضر عليه السلام، وعن قتادة أن اسمه مليخا؛ وقيل‏:‏ ملخ‏.‏ وقيل‏:‏ تمليخا‏.‏ وقيل‏:‏ هود‏.‏ وقالت جماعة هو ضب بن أد جد بني ضبة من العرب وكان فاضلاً يخدم سليمان كان على قطعة من خيله، وقال النخعي هو جبريل عليه السلام، وقيل‏:‏ هو ملك آخر أيد الله تعالى به سليمان عليه السلام، وقال الجبائي‏:‏ هو سليمان نفسه عليه السلام‏.‏

ووجه الفصل عليه واضح فإن الجملة حينئذٍ مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه قيل‏:‏ فما قال سليمان عليه السلام حين قال العفريت ذلك‏؟‏ فقيل‏:‏ قال الخ ويكون التعبير عنه بما في «النظم الكريم» للدلالة على شرف العلم وأن هذه الكرامة كانت بسببه، ويكون الخطاب في قوله‏:‏ ‏{‏أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏}‏ للعفريت وإنما لم يأت به أولاً بل استفهم القوم بقوله‏:‏ ‏{‏أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 38‏]‏ ثم قال ما قال وأتى به قصداً لأن يريهم أنه يتأتى له ما لا يتهيأ لعفاريت الجن فضلاً عن غيرهم‏.‏ وتخصيص الخطاب بالعفريت لأنه الذي تصدى لدعوى القدرة على الإتيان به من بينهم، وجعله لكل أحد كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ أدنى أَن لا تَعُولُواْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 3‏]‏ غير ظاهر بالنسبة إلى ما ذكر‏.‏

وآثر هذا القول الإمام وقال إنه أقرب لوجوه‏.‏ الأول‏:‏ إن الموصول موضوع في اللغة لشخص معين بمضمون الصلة المعلومة عند المخاطب والشخص المعلوم بأن عنده علم الكتاب هو سليمان وقد تقدم في هذ السورة ما يستأنس به لذلك فوجب إرادته وصرف اللفظ إليه وآصف وإن شاركه في مضمون الصلة لكن هو فيه أتم لأنه نبي وهو أعلم بالكتاب من أمته‏.‏ الثاني‏:‏ إن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية فلو حصلت لأحد من أمته دونه لاقتضى تفضيل ذلك عليه عليه السلام وأنه غير جائز‏.‏ الثالث‏:‏ أنه لو افتقر في إحضاره إلى أحد من أمته لاقتضى قصور حاله في أعين الناس‏.‏

الرابع‏:‏ أن ظاهر قوله عليه السلام فيما بعد ‏{‏هذا مِن فَضْلِ رَبّى‏}‏ الخ يقتضي أن ذلك الخارق قد أظهره الله تعالى بدعائه عليه السلام اه‏.‏ وللمناقشة فيه مجال‏.‏ واعترض على هذا القول بعضهم بأن الخطاب في ‏{‏ءاتِيكَ‏}‏ يأباه فإن حق الكلام عليه أن يقال‏:‏ أنا آتي به قبل أن يرتد إلى الشخص طرفه مثلاً، وقد علمت دفعه‏.‏ وبأن المناسب أن يقال فيما بعد فلما أتى به دون ‏{‏فَلَمَّا رَءاهُ‏}‏ الخ‏.‏ وأجيب عن هذا بأن قوله ذاك للإشارة إلى أنه لا حول ولا قوة له فيه، ولعل الأظهر أن القائل أحد أتباعه‏.‏ ولا يلزم من ذلك أنه عليه السلام لم يكن قادراً على الإتيان به كذلك فإن عادة الملوك تكليف أتباعهم بمصالح لهم لا يعجزهم فعلها بأنفسهم فليكن ما نحن فيه جارياً على هذه العادة، ولا يضر في ذلك كون الغرض مما يتم بالقول وهو الدعاء ولا يحتاج إلى أعمال البدن وأتعابه كما لا يخفى‏.‏

وفي فصوص الحكم كان ذلك على يد بعض أصحاب سليمان عليه السلام ليكون أعظم لسليمان في نفوس الحاضرين، وقال القيصري‏:‏ كان سليمان قطب وقته ومتصرفاً وخليفة على العالم وكان آصف وزيره وكان كاملاً وخوارق العادات قلما تصدر من الأقطاب والخلفاء بل من وراثهم وخلفائهم لقيامهم بالعبودية التامة واتصافهم بالفقر الكلي فلا يتصرفون لأنفسهم في شيء، ومن منن الله تعالى عليهم أن يرزقهم صحبة العلماء الأمناء يحملون منهم أثقالهم وينذفون أحكامهم وأقوالهم اه، وما في الفصوص أقرب لمشرب أمثالها على أن ما ذكر لا يخلو عن بحث على مشرب القوم أيضاً‏.‏

وفي «مجمع البيان» روى العياشي بإسناده قال‏:‏ التقى موسى بن محمد بن علي بن موسى‏.‏ ويحيى بن أكثم فسأله عن مسائل منها‏:‏ هل كان سليمان محتاجاً إلى علم آصف‏؟‏ فلم يجب حتى سأل أخاه علي بن محمد فقال‏:‏ اكتب له لم يعجز سليمان عن معرفة ما عرف آصف لكنه عليه السلام أحب أن يعرف أمته من الجن والإنس أنه الحجة من بعده، وذلك من علم سليمان أودعه آصف بأمر الله ففهمه الله تعالى ذلك لئلا يختلف في إمامته كما فهم سليمان في حياة داود لتعرف إمامته من بعده لتأكيد الحجة على الخلق اه وهو كما ترى‏.‏ والمراد بالكتاب الجنس المنتظم لجميع الكتب المنزلة؛ وقيل‏:‏ اللوح المحفوظ، وكون المراد به ذلك على جميع الأقوال السابقة في الموصول بعيد جداً، وقيل‏:‏ المراد به الذي أرسل إلى بلقيس، ومن ابتدائية وتنكير ‏{‏عِلْمٍ‏}‏ للتفخيم والرمز إلى أنه علم غير معهود، قيل‏:‏ كان ذلك العلم باسم الله تعالى الأعظم الذي إذا سئل به أجاب، وقد دعا ذلك العالم به فحصل غرضه، وهو يا حي يا قيوم، وقيل يا ذا الحلال والإكرام، وقيل الله الرحمن وقيل‏:‏ هو بالعبرانية آهياً شراهياً‏.‏

وأخرج ابن جرير‏.‏ وابن أبي حاتم عن الزهري أنه دعا بقوله‏:‏ يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت ائتني بعرشها، والطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر إلى شيء ثم تجوز به عن النظر وارتداده انقطاعه بانضمام الأجفان ولكونه أمراً طبيعياً غير منوط بالقصد أوثر الارتداد على الرد، فالمعنى آتيك به قبل أن ينضم جفن عينك بعد فتحه، وقيل‏:‏ لا حاجة إلى اعتبار التجوز في الطرف إذ المراد قبل ارتداد تحريك الأجفان بطبقها بعد فتحها وفيه نظر، والكلام جار على حقيقته وليس من باب التمثيل للسرعة، فقد روي أن آصف قال لسليمان عليه السلام‏:‏ مد عينيك حتى ينتهي طرفك فمد طرفه فنظر نحو اليمن فقبل أن يرتد إليه حضر العرش عنده‏.‏ وقيل‏:‏ هو من باب التمثيل فيحتمل أن يكون قد أتى به في مدة طلوع درجة أو درجتين أو نحو ذلك‏.‏

وعن ابن جبير‏.‏ وقتادة أن الطرف بمعنى المطروف أي من يقع إليه النظر، وأن المعنى قبل أن يصل إليك من يقع طرفك عليه في أبعد ما ترى إذا نظرت أمامك وهو كما ترى ‏{‏فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ‏}‏ أي فلما رأى سليمان عليه السلام العرش ساكناً عنده قاراً على حاله التي كان عليها ‏{‏قَالَ‏}‏ تلقياً للنعمة بالشكر جرياً على سنن إخوانه الأنبياء عليهم السلام وخلص عباد الله عز وجل ‏{‏هذا‏}‏ أي الإتيان بالعرش أو حضوره بين يدي في هذه المدة القصيرة، وقيل‏:‏ أي التمكن من إحضاره بالواسطة أو بالذات ‏{‏مِن فَضْلِ رَبّى‏}‏ أي تفضله جل شأنه على من غير استحقاق ذاتي لي له ولا عمل مني يوجبه عليه سبحانه وتعالى، وفي الكلام حذف أي فأتاه به فرآه فلما رآه الخ وحذف ما حذف للدلالة على كمال ظهوره واستغنائه عن الإخبار به وللإيذان بكمال سرعة الإتيان به كأنه لم يقع بين الوعد به ورؤيته عليه السلام إياه شيء ما أصلاً، وفي تقييد رؤيته باستقراره عنده تأكيد لهذا المعنى لإيهامه أنه لم يتوسط بينهما ابتداء الإتيان أيضاً كأنه لم يزل موجوداً عنده‏.‏ فمستقراً منتصب على الحال و‏{‏عِندَهُ‏}‏ متعلق به‏.‏ وهو على ما أشرنا إليه كون خاص ولذا ساغ ذكره‏.‏ وظن بعضهم أنه كون عام فأشكل عليهم ذكره مع قول جمهور النحاة‏:‏ إن متعلق الظرف إذا كان كوناً عاماً وجب حذفه فالتزم بعضهم لذلك كون الظرف متعلقاً براءه لا به‏.‏ ومنهم من ذهب كابن مالك إلى أن حذف ذلك أغلبي وأنه قد يظهر كما في هذه الآية‏.‏ وقوله‏:‏

لك العز إن مولاك عز وإن يهن *** فأنت لدى بحبوحة الهون كائن

وأنت تعلم أنه يمكن اعتبار ما في البيت كوناً خاصاً كالذي في الآية‏.‏ وفي كيفية وصول العرش إليه عليه السلام حتى رآه مستقراً عنده خلاف‏.‏ فأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر‏.‏ وابن عساكر عن ابن عباس أنه قال لم يجر عرش صاحبة سبأ بين السماء والأرض ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان وإلى هذا ذهب مجاهد وابن سابط‏.‏ وغيرهما‏.‏ وقيل نزل بين يدي سليمان عليه السلام من السماء وكان عليه السلام إذ ذاك في أرض الشام على ما قيل رجع إليها من صنعاء وبينها وبين مأرب محل العرش نحو من مسافة شهرين‏.‏ وعلى القول بأنه كان في صنعاء فالمسافة بين محله ومحل العرش نحو ثلاثة أيام‏.‏ وأياً ما كان فقطعه المسافة الطويلة في الزمن القصير أمر ممكن وقد أخبر بوقوعه الصادق فيجب قبوله‏.‏ وقد اتفق البر والفاجر على وقوع ما هو أعظم من ذلك وهو قطع الشمس في طرفة عين آلافاً من الفراسخ مع أن نسبة عرش بلقيس إلى جرمها نسبة الذرة إلى الجبل، وقال الشيخ الأكبر قدس سره‏:‏ إن آصف تصرف في عين العرش فأعدمه في موضعه وأوجده عند سليمان من حيث لا يشعر أحد بذلك إلا من عرف الخلق الجديد الحاصل في كل آن وكان زمان وجوده عين زمان عدمه وكل منهما في آن وكان عين قول آصف عين الفعل في الزمان فإن القول من الكامل بمنزلة كن من الله تعالى‏.‏

ومسألة حصول العرش من أشكل المسائل إلا عند من عرف ما ذكرناه من الإيجاد والإعدام فما قطع العرش مسافة ولا زويت له أرض ولا خرقها اه ملخصاً‏.‏ وله تتمة ستأتي إن شاء الله تعالى‏.‏ وماذ كره من أنه كان بالإعدام والإيجاد مما يجوز عندي وإن لم أقل بتجدد الجواهر تجدد الأعراض عند اوشعري إلا أنه خلاف ظاهر الآية‏.‏ واستدل بها على ثبوت الكرامات‏.‏

وأنت تعلم أن الاحتمال يسقط الاستدلال‏.‏ وعلل عليه السلام تفضله تعالى بذلك عليه بقوله‏:‏ ‏{‏لِيَبْلُوَنِى‏}‏ أي ليعاملني معاملة المبتلي أي المختبر ‏{‏ءَأَشْكُرُ‏}‏ على ذلك بأن أراه محض فضله تعالى من غير حول من جهتي ولا قوة وأقوم بحقه ‏{‏أَءشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ‏}‏ بأن أجد لنفسي مدخلاً في البين أو اقصر في إقامة مواجبه كما هو شأن سائر النعم الفائضة على العباد، وأخرج ابن المنذر‏.‏ وابن جرير عن ابن جريج أن المعنى ليبلوني أأشكر إذا أتيت بالعرش أم أكفر إذا رأيت من هو أدنى مني في الدنيا أعلم مني، ونقل مثله في «البحر» عن ابن عباس والظاهر عدم صحته، وأبعد منه عن الصحة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال لما رآه مستقراً عنده جزع وقال‏:‏ رجل غيري أقدر على ما عند الله عز وجل مني، ولعل الحق الجزم بكذب ذلك، وجملة ‏{‏شَكَرَ‏}‏ الخ في موضع نصب على أنها مفعول ثان لفعل البلوى وهو معلق بالهمزة عنها إجراء له مجرى العلم وإن لم يكن مرادفاً له‏.‏

وقيل‏:‏ محله النصب على البدل من الياء ‏{‏وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ‏}‏ أي لنفعها لأنه يربط به القيد ويستجلب المزيد ويحط به عن ذمته عبء الواجب ويتخلص عن وصمة الكفران ‏{‏وَمَن كَفَرَ‏}‏ أي لم يشكر ‏{‏فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ‏}‏ عن شكره ‏{‏كَرِيمٌ‏}‏ بترك تعجيل العقوبة والإنعام مع عدم الشكر أيضاً، والظاهر أن من شرطية والجملة المقرونة بالفاء جواب الشرط، وجوز أن يكون الجواب محذوفاً دل عليه ما قبله من قسيمه والمذكور قائم مقامه أي ومن كفر فعلى نفسه أي فضرر كفرانه عليها‏.‏ وتعقب بأنه لا يناسب قوله‏:‏ ‏{‏كَرِيمٌ‏}‏ وجوز أيضاً أن تكون من موصولة ودخلت الفاء في الخبر لتضمنها معنى الشرط‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ‏(‏41‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ‏}‏ أي سليمان عليه السلام كررت الحكاية مع كون المحكي سابقاً ولاحقاً من كلامه عليه السلام تنبيهاً على ما بين السابق واللاحق من المخالفة لما أن الأول من باب الشكر لله عز وجل والثاني أمر لخدمه ‏{‏نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا‏}‏ أي اجعلوه بحيث لا يعرف ولا يكون ذلك إلا بتغييره عما كان عليه من الهيئة والشكل، ولعل المراد التغيير في الجملة‏.‏ روي عن ابن عباس‏.‏ ومجاهد‏.‏ والضحاك إنه كان بالزيادة فيه والنقص منه، وقيل‏:‏ بنزع ما عليه من الجواهر، وقيل‏:‏ بجعل أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره، ولام ‏{‏لَهَا‏}‏ للبيان كما في ‏{‏هَيْتَ لَكَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 23‏]‏ فيدل على أنها المرادة خاصة بالتنكير ‏{‏نَنظُرْ‏}‏ بالجزم على أنه جواب الأمر‏.‏

وقرأ أبو حيوة بالرفع على الاستئناف ‏{‏أَتَهْتَدِى‏}‏ إلى معرفته أو إلى الجواب اللائق بالمقام‏.‏ وقيل‏:‏ إلى الإيمان بالله تعالى ورسوله عليه السلام إذا رأت تقدم عرشها وقد خلفته مغلقة عليه الأبواب موكلة عليه الحراس والحجاب وحكاه الطبرسي عن الجبائي، وفيه أنه لا يظهر مدخلية التنكير في الإيمان ‏{‏أَمْ تَكُونُ‏}‏ أي بالنسبة إلى علمنا ‏{‏مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ‏}‏ أي إلى ما ذكر من معرفة عرشها أو الجواب اللائق بالمقام فإن كونها في نفس الأمر منهم وإن كان أمراً مستمراً لكن كونها منهم عند سليمان عليه السلام وقومه أمر حادث يظهر بالاختبار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏فَلَمَّا جَاءتْ‏}‏ شروع في حكاية التجربة التي قصدها سليمان عليه السلام أي فلما جاءت بلقيس سليمان وقد كان العرش منكراً بين يديه ‏{‏قِيلَ‏}‏ أي من جهة سليمان بالذات أو بالوساطة ‏{‏أَهَكَذَا عَرْشُكِ‏}‏ أي أمثل هذا العرش الذي ترينه عرشك الذي تركتيه ببلادك، ولم يقل‏:‏ أهذا عرشك لئلا يكون تلقيناً لها فيفوت ما هو المقصود من الأمر بالتنكير من إبراز العرش في معرض الإشكال والاشتباه حتى يتبين لديه عليه السلام حالها وقد ذكرت عنده عليه السلام بسخافة العقل‏.‏

وفي بعض الآثار أن الجن خافوا من أن يتزوجها فيرزق منها ولداً يحوز فطنة الإنس وخفة الجن حيث كانت لها نسبة إليهم فيضبطهم ضبطاً قوياً فرموها عنده بالجنون وأن رجليها كحوافر البهائم فلذا اختبرها بهذا وبما يكون سبباً للكشف عن ساقيها، ومن لم يقل بنسبتها إلى الجن‏:‏ يقول لعلها رماها حاسد بذلك فأراد عليه السلام اختبارها ليقف على حقيقة الحال، ومنهم من يقول‏:‏ ليس ذاك إلا ليقابلها بمثل ما فعلت هي حيث نكرت الغلمان والجواري وامتحنته عليه السلام بالدرة العذراء والجزعة المعوجة الثقب وكون ذلك في عرشها الذي يبعد كل البعد إحضاره مع بعد المسافة وشدة محافظتها له أتم وأقوى ويتضمن أيضاً من إظهار المعجزة ما لا يخفى، وهذا عندي ألصق بالقلب من غيره ‏{‏قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ‏}‏ أجابت بما أنبأ عن كمال رجاحة عقلها حيث لم تجزم بأنه هو لاحتمال أن يكون مثله بل أتت بكأن الدالة كما قيل على غلبة الظن في اتحاده معه مع الشك في خلافه وليست كأن هنا للدلالة على التشبيه كما هو الغالب فيها‏.‏

وذكر ابن المنير في الانتصاف ما يدل على أنها تفيد قوة الشبه فقال‏:‏ الحكمة في عدول بلقيس في الجواب عن هكذا هو المطابق للسؤال إلي ‏{‏كَأَنَّهُ هُوَ‏}‏ أن ‏{‏كَأَنَّهُ هُوَ‏}‏ عبارة من قوي عنده الشبه حتى شكك نفسه في التغاير بين الأمرين وكاد يقول هو هو وتلك حال بلقيس، وأما هكذا هو فعبارة جازم بتغاير الأمرين حاكم بوقوع الشبه بينهما لا غير فلا تطابق حالها فلذا عدلت عنها إلى ما في «النظم الجليل»‏.‏

‏{‏وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ‏}‏ من تتمة كلامها على ما اختاره جمع من المفسرين كأنها استشعرت بما شاهدته اختبار عقلها وإظهار معجزة لها ولما كان الظاهر من السؤال هو الأول سارعت إلى الجواب بما أنبأ عن كمال رجاحة عقلها، ولما كان إظهار المعجزة دون ذلك في الظهور ذكرت ما يتعلق به آخراً وهو قولها‏:‏ ‏{‏وَأُوتِينَا‏}‏ الخ وفيه دلالة على كمال عقلها أيضاً، ومعناه وأوتينا العلم بكمال قدرة الله تعالى وصحة نبوتك من قبل هذه المعجزة أو من قبل هذه الحالة بما شاهدناه من أمر الهدهد وما سمعناه من رسلنا إليك من الآيات الدالة على ذلك وكنا مؤمنين من ذلك الوقت فلا حاجة إلى إظهار هذه المعجزة، ولك أن تجعله من تتمة ما يتعلق بالاختبار وحاصله لا حاجة إلى الاختيار لأني آمنت قبل وهذا كاف في الدلالة على كمال عقلي‏.‏

وجوز أن يكون لبيان منشأ غلبة الظن بأنه عرشها والداعي إلى حسن الأدب في محاورته عليه السلام أي وأوتينا العلم بإتيانك بالعرش من قبل الرؤية أو من قبل هذه الحالة بالقرائن أو الإخبار وكنا من ذلك الوقت مؤمنين، والتعبير بنون العظمة جار على سنن تعبيرات الملوك وفيه تعظيم لأمر إسلامها وليس ذاك لإرادة نفسها ومن معها من قومها إذ يبعده قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏

‏{‏وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

‏{‏وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله‏}‏ وهو بيان من جهته عز وجل لما كان يمنعها من إظهار ما ادعت من الإسلام إلى الآن أي صدها عن إظهار ذلك يوم أوتيت العلم الذي يقتضيه عبادتها القديمة للشمس، فما مصدرية والمصدر فاعل صد، وجوز كونها موصولة واقعة على الشمس وهي فاعل أيضاً والإسناد مجازي على الوجهين‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كافرين‏}‏ تعليل لسببية عبادتها المذكورة للصد أي إنها كانت من قوم راسخين في الكفر فلذلك لم تكن قادرة على إظهار إسلامها وهي بين ظهرانيهم إلى أن حضرت بين يدي سليمان عليه السلام‏.‏ وقرأ سعيد بن جبير‏.‏ وابن أبي عبلة ‏{‏أَنَّهَا‏}‏ بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل أي لأنها أو جعل المصدر بدلاً من فاعل صد بدل اشتمال‏.‏ وقيل‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأُوتِينَا‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 42‏]‏ الخ من كلام قوم سليمان عليه السلام كأنهم لما سمعوها أجابت السؤال بقولها‏:‏ ‏{‏كَأَنَّهُ هُوَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 42‏]‏ قالوا‏.‏ قد أصابت في جوابها فطبقت المفصل وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله عز وجل وصحة النبوة بالآيات التي تقدمت وبهذه الآية العجيبة من أمر عرشها وعطفوا على ذلك قولهم‏:‏ وأوتينا العلم بالله تعالى وبقدرته وبصحة ما جاء من عنده سبحانه قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام، وكان هذا منهم شكراً لله تعالى على فضلهم عليها وسبقهم إلى العلم بالله تعالى والإسلام قبلها، ويومىء إلى هذا المطوي جعل علمهم وإسلامهم قبلها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَصَدَّهَا‏}‏ الخ على هذا يحتمل أن يكون من تتمة كلام القوم‏.‏

ويحتمل أن يكون ابتداء إخبار من جهته عز وجل‏.‏ وعن مجاهد‏.‏ وزهير بن محمد أن ‏{‏وَأُوتِينَا‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 42‏]‏ من كلام سليمان عليه السلام وفي ‏{‏وَصَدَّهَا‏}‏ الخ عليه أيضاً احتمال، ولا يخفى ما في جعل ‏{‏وَأُوتِينَا‏}‏ الخ من كلام القوم أو من سليمان سليمان عليه السلام من البعد والتكلف وليس في ذلك جهة حسن سوى اتساق الضمائر المؤنثة‏.‏

وقيل‏:‏ إن ‏{‏وَأُوتِينَا‏}‏ الخ من تتمة كلامها‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَصَدَّهَا‏}‏ الخ ابتداء إخبار من جهته تعالى لبيان حسن حالها وسلامة إسلامها عن شوب الشرك بجعل فاعل صدها ضميره عز وجل أو ضمير سليمان عليه السلام‏.‏

وما مصدرية أو موصولة قبلها حرف جر مقدر أي صدها الله تعالى أو سليمان عن عبادتها من دون الله أو عن الذي تعبده من دونه تعالى‏.‏ ونقل ذلك أبو حيان عن الطبري وتعقبه بقوله‏:‏ وهو ضعيف لا يجوز إلا في الشعر نحو قوله‏:‏

تمرون الديار ولم تعوجوا *** وليس من مواضع حذف حرف الجر‏.‏

وأنت تعلم أن المعنى مع هذا مما لا ينشرح له الصدر، وأبعد بعضهم كل البعد فزعم أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَصَدَّهَا‏}‏ الخ متصل بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَتَهْتَدِى أَمْ تَكُونُ مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 41‏]‏ والواو فيه للحال وقد مضمرة‏.‏ وفي «البحر» أنه قول مرغوب عنه لطول الفصل بينها ولأن التقديم والتأخير لا يذهب إليه إلا عند الضرورة‏.‏ ولعمري من أنصف رأي أن ما ذكر مما لا ينبغي أن يخرج عليه كلام الله تعالى المجيد، وأنا أقول بعد القيل والقال‏:‏ إن وجه ربط هذه الجمل مما يحتاج إلى تدقيق النظر فليتأمل والله تعالى الموفق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏44‏]‏

‏{‏قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏44‏)‏‏}‏

‏{‏قِيلَ لَهَا ادخلى الصرح‏}‏ استئناف بياني كأنه قيل فماذا قيل لها بعد الامتحان المذكور‏؟‏ فقيل‏:‏ ‏{‏قِيلَ لَهَا ادخلى‏}‏ الخ ولم يعطف على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَهَكَذَا عَرْشُكِ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 42‏]‏ لئلا يفوت هذا المعنى‏.‏ وجىء بلها هنا دون ما مر لمكان أمرها، و‏{‏الصرح‏}‏ القصر وكل بناء عال‏.‏ ومنه ‏{‏ابن لِى صَرْحاً‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 36‏]‏ وهو من التصريح وهو الإعلان البالغ‏.‏

وقال مجاهد ‏{‏الصرح‏}‏ هنا البركة‏.‏ وقال ابن عيسى الصحن وصرحة الدار ساحتها‏.‏ وروي أن سليمان عليه السلام أمر الجن قبل قدومها فبنوا له على طريقها قصراً من زجاج أبيض وأجري من تحته الماء وألقي فيه من دواب البحر السمك وغيره‏.‏ وفي رواية أنهم بنوا له صرحاً وجعلوا له طوابيق من قوارير كأنها الماء وجعلوا في باطن الطوابيق كل ما يكون من الدواب في «البحر» ثم أطبقوه وهذا أوفق بظاهر الآية ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكفت عليه الطير‏.‏ والجن‏.‏ والإنس وفعل ذلك امتحاناً لها أيضاً على ما قيل، وقيل‏:‏ ليزيدها استعظاماً لأمره وتحقيقاً لنبوته وثباتاً على الدين، وقيل لأن الجن قالوا له عليه السلام إنها شعراء السابقين ورجلها كحافر الحمار فأراد الكشف عن حقيقة الحال بذلك، وقال الشيخ الأكبر قدس سره ما حاصله إنه أراد أن ينبهها بالفعل على أنها صدقت في قولها في العرش ‏{‏كَأَنَّهُ هُوَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 42‏]‏ حيث أنه انعدم في سبأ ووجد مثله بين يديه فجعل لها صرحاً في غاية اللطف والصافي كأنه ماء صاف وليس به، وهذا غاية الإنصاف منه عليه السلام ولا أظن الأمر كما قال والله تعالى أعلم‏.‏ واستدل بالآية على القول بأن أمرها بدخول الصرح ليتوصل به إلى كشف حقيقة الحال على إباحة النظر قبل الخطبة وفيه تفصيل مذكور في كتب الفقه‏.‏

‏{‏فَلَمَّا رَأَتْهُ‏}‏ أي رأت صحته بناء على أن الصرح بمعنى القصر ‏{‏حَسِبَتْهُ لُجَّةً‏}‏ أي ظننته ماء كثيراً ‏{‏وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا‏}‏ لئلا تبتل أذيالها كما هو عادة من يريد الخوض في الماء، وقرأ ابن كثير برواية قنبل ‏{‏سَاقَيْهَا‏}‏ بهمز ألف ساق حملاً له على جمعه سؤق وأسؤق فإنه يطرد في الواو المضمومة هي أو ما قبلها قلبها همزة فأنجر ذلك بالتبعية إلى المفرد الذي في ضمنه‏.‏

وفي البحر حكى أبو علي أن أباحية النميري كان يهمز كل واو قبلها ضمة وأنشد‏:‏

أحب المؤقدين إلى مؤسى *** وفي الكشف الظاهر أن الهمز لغة في ساق ويشهد له هذه القراءة الثابتة في السبعة‏.‏ وتعقب بأنه يأباه الاستقاق‏.‏ وأياً ما كان فقول من قال‏:‏ إن هذه القراءة لا تصح لا يصح ‏{‏قَالَ‏}‏ أي سليمان عليه السلام حين رأى ما اعتراها من الدهشة والرعب، وقيل‏:‏ القائل هو الذي أمرها بدخول الصرح وهو خلاف الظاهر ‏{‏أَنَّهُ‏}‏ أي ما حسبته لجة ‏{‏صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ‏}‏ أي مملس ومنه الأمر للشاب الذي لا شعر في وجهه وشجرة مرداء لا ورق عليها ورملة مرداء لا تنبت شيئاً والمارد المتعرى من الخير ‏{‏مّن قَوارِيرَ‏}‏ من الزجاج وهو جمع قارورة‏.‏

‏{‏قَالَتْ‏}‏ حين عاينت هذا الأمر العظيم ‏{‏رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى‏}‏ أي بما كنت عليه من عبادة الشمس، وقيل‏:‏ بظني السوء بسليمان عليه السلام حيث ظنت أنه يريد اغراقها في اللجة وهو بيعد‏.‏ ومثله ما قيل أرادت ظلمت نفسي بامتحاني سليمان حتى امتحنني لذلك بما أوجب كشف ساقي بمرأى منه ‏{‏وَأَسْلَمْتُ مَعَ سليمان‏}‏ تابعة له مقيدة به، وما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏للَّهِ رَبّ العالمين‏}‏ من الالتفات إلى الاسم الجليل لاظهار معرفتها بالوهيته تعالى وتفرده باستحقاق العبادة وربوبيته لجميع الموجودات التي من جملتها ما كانت تعبده قبل ذلك من الشمس، وكأن هذا القول تجديد لإسلامها على أتم وجه وقد أخرجته مخرجاً لا أنانية فيه ولا كبر أصلاً كما لا يخفى‏.‏ واختلف في أمرها بعد الإسلام فقيل إنه عليه السلام تزوجها وأحبها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا لها سيلحين وغمدان وكان يزورها في الشهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له‏.‏

وأخرج ابن عساكر عن سلمة بن عبد الله بن ربعي أنه عليه السلام أمهرها بعلبك، وذكر غير واحد أنها حين كشفت عن ساقيها أبصر عليهما شعراً كثيراً فكره أن يتزوجها كذلك فدعا الأنس فقال‏:‏ ما يذهب بهذا‏؟‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله المواسي فقال‏:‏ الماوسي تقطع ساقي المرأة، وفي رواية أنه قيل لها ذلك فقالت لم يمسسني الحديد قط فكره سليمان المواسي وقال‏:‏ إنها تقطع ساقيها ثم دعا الجن فقالوا مثل ذلك ثم دعا الشياطين فوضعوا له النورة، قال ابن عباس وكان ذلك اليوم أول يوم رؤيت فيه النورة، وعن عكرمة أن أول من وضع النورة شياطين الإنس وضعوها لبلقيس وهو خلاف المشهور، ويروى أن الحمام وضع يومئذ‏.‏

وفي تاريخ الخباري عن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من صنعت له الحمامات سليمان» وأخرج الطبراني‏.‏ وابن عدي في الكامل‏.‏ والبيهقي في شعب الإيمان عنه أيضاً قال‏:‏ قال رسول الله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ أول من دخل الحمام سليمان فلما وجد حره قال أوه من عذاب الله تعالى ‏"‏ وروي عن وهب أنه قال‏:‏ زعموا أن بلقيس لما أسلمت قال لها سليمان‏:‏ اختاري رجلاً من قومك أزوجكه فقالت‏:‏ أمثلي يا نبي الله تنكح الرجال وقد كان في قومي من الملك والسلطان ما كان‏؟‏ قال‏:‏ نعم إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك وما ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله تعالى لك فقالت‏:‏ زوجني إن كان لا بد من ذلك ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردها إلى اليمن وسلط زوجها ذا تبع على اليمن ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال اعمل لذي تبع ما استعملك فيه فلم يزل بها ملكاً يعمل له فيها حتى مات سليمان فلما أن حال الحول وتبين الجن موته عليه السلام أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته با معشر الجن إن الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا وانقضى ملك ذي تبع وملك بلقيس مع ملك سليمان عليه السلام‏.‏

وقال عون بن عبد الله‏:‏ سأل رجل عبد الله بن عتبة هل تزوج سليمان بلقيس فقال انتهى أمرها إلى قولها‏:‏ ‏{‏أَسْلَمْتُ مَعَ سليمان لِلَّهِ رَبّ العالمين‏}‏ قيل‏:‏ يعني لا علم لنا وراء ذلك‏.‏

والمشهور أنه عليه السلام تزوجها وإليه ذهب جماعة من أهل الأخبار‏.‏ وأخرج البيهقي في الزهد عن الأوزاعي قال‏:‏ كسر برج من أبراج تدمر فأصابوا فيه امرأة حسناء دعجاء مدمجة كأن أعطافها طي الطوامير عليها عمامة طولها ثمانون ذراعاً مكتوب على طرف العمامة بالذهب ‏{‏بسم الله الرحمن الرحيم أنا بلقيس ملكة سبأ زوجة سليمان بن داود عليهما السلام ملكت من الدنيا كافرة ومؤمنة ما لم يملكه أحد قبلي ولا يملكه أحد بعدي صار مصيري إلى الموت فاقصروا يا طالبي الدنيا والله تعالى أعلم بصحة الخبر، وكم في هذه القصة من أخبار الله تعالى أعلم بالصحيح منها، والقصة في نفسها عجيبة وقد اشتملت على أشياء خارقة للعادة بل يكاد العقل يحيلها في أول وهلة، ومما يستغرب والله تعالى فيه سر خفي خفاء أمر بلقيس على سليمان عدة سنين كما قاله غير واحد مع أن المسافة بينه وبينها لم تكن في غاية العبد وقد سخر الله تعالى له من الجن‏.‏ والشياطين‏.‏ والطير‏.‏ والريح ما سخر وهذا أغرب من خفاء أمر يوسف على يعقوب عليهام السلام بمراتب، وسبحان من لا يعزب عن علمه مثقال درة في السموات وفي الأرض، وهذا وللصوفية في تطبيق ما في هذه هذه القصة على ما في الأنفس كلام طويل، ولعل الأمر سهل على من له أدنى ذوق بعد الوقوف على بعض ما مر من تطبيقاتهم ما في بعض القصص على ذلك والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلنَا‏}‏ عطف على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ وسليمان عِلْماً‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 15‏]‏ مسوق لما سيق هو له، واللام واقعة في جواب قسم محذوف أي وبالله لقد أرسلنا ‏{‏إلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا‏}‏ وإنما أقسم على ذلك اعتناء بشأن الحكم، و‏{‏صالحا‏}‏ بدل من ‏{‏أخاهم‏}‏ أو عطف بياني، وأن في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنِ اعبدوا الله‏}‏ مفسرة لما في الإرسال من معنى القول دون حروفه‏.‏

وجوز كونها مصدرية حذف منها حرف الجر أي بأن، وقيل لأن ووصلها بالأمر جائز لا ضير فيه كما مر‏.‏

وقرىء بضم النون اتباعاً لها للباء ‏{‏فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ‏}‏ أي فأجاأ ارسالنا تفرقهم واختصامهم فآمن فريق وكفر فريق وكان ما حكى الله تعالى في محل آخر بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالَ الملا الذين استكبروا لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 75‏]‏ الآية‏.‏ فإذا فجائية والعامل فيها مقدر لا ‏{‏يَخْتَصِمُونَ‏}‏ خلافاً لأبي البقاء لأنه صفة «فريقان» كما قال ومعمول الصفة لا يتقدم على الموصوف، وقيل‏:‏ هذا حيث لا يكون المعمول ظرفاً، وضمير «يختصمون» لمجموع الفريقين ولم يقل يختصمان للفاصلة، ويوهم كملا بعضهم أن الجملة خبر ثان وهو كما ترى، و«هم» راجع إلى ثمود لأنه اسم للقبيلة، وقيل‏:‏ إلى هؤلاء المذكورين ليشمل صالحاً عليه السلام والفريقان حينئذ أحدهما صالح وحده وثانيهما قومه‏.‏

والحامل على هذا كما ذكره ابن عادل العطف بالفاء فإنها تؤذن أنهم عقيب الإرسال بلا مهلة صاروا فريقين ولا يصير قومه عليه السلام فريقين إلا بعد زمان‏.‏ وفيه أنه يأباه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اطيرنا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 47‏]‏ وتعقيب كل شيء بحسبه على أنه يجوز كون الفاء لمجرد الترتيب‏.‏ ولعل فريق الكفرة أكثر ولذا ناداهم بقوله يا قوم كما حكى عنه في قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏46‏]‏

‏{‏قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ يَاءادَمُ قَوْمٌ‏}‏ لجعله في حكم الكل أي قال عليه السلام للفريق الكفار منهم بعد ما شاهد منهم ما شاهد من نهاية العتو والعناد حتى بلغوا من المكابرة إلى أن قالوا له عليه السلام ‏{‏يا صالح ائتنا بما تعدنا أن كنت من المرسلين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 77‏]‏ متلطفاً بهم يا قوم ‏{‏لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بالسيئة‏}‏ أي بالعقوبة التي تسوءكم ‏{‏قَبْلَ الحسنة‏}‏ أي التوبة فتؤخرونها إلى حين نزولها حيث كانوا من جهلهم وغوايتهم يقولون أن وقع إبعاده تبنا حينئذ وإلا فنحن على ما نحن عليه ‏{‏لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ الله‏}‏ أي هلا تستغفرونه تعالى قبل نزولها ‏{‏لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏}‏ بقبولها إذ سنة الله تعالى عدم القبول عند النزول‏.‏ وقد خاطبهم عليه السلام على حسب تخمينهم وجهلهم في ذلك بأن ما خمنوه من التوبة إذ ذاك فاسدة وأن استعجالهم ذلك خارج من المعقول‏.‏ والتقابل بين السيئة والحسنة بالمعن الذي سمعت حاصل من كون احدهما حسناً والآخر سيئاً، وقيل‏:‏ المراد بالسيئة تكذيبهم إياه عليه السلام وكفرهم به وبالحسنة تصديقهم وإيمانهم، والمراد من قوله‏:‏ ‏{‏لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ‏}‏ الخ لومهم على المسارعة إلى تكذيبهم إياه وكفرهم به وحضهم على التوبة من ذلك بترك التكذيب والإيمان‏.‏ وحاصله لومهم على إيقاع التكذيب عند الدعوة دون التصديق وحضهم على تلافي ذلك‏.‏ وإيهام الكلام انتفاء اللوم على إيقاع التكذيب بعد التصديق مما لا يكاد يلتفت إليه‏.‏ ولا يخفى بعد طي الكشح عن المناقشة فيما ذكر أن المناسب لما حكى الله تعالى عن القوم في سورة الأعراف ولما جاء في الآثار هو المعنى الأول‏.‏ ومن هنا ضعف ما روي عن مجاهد من تفسير الجسنة برحمة الله تعالى لتقابل السيئة المفسرة بعقوبته عز وجل ويكون المراد من استعجالهم بالعقوبة قبل الرحمة طلبهم إياها دون الرحمة فتأمل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏47‏]‏

‏{‏قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

‏{‏قَالُواْ اطيرنا‏}‏ أصله تطيرنا وقرىء به فادغمت التاء في الطاء وزيدت همة الوصل ليتأتى الابتداء، والتطير التشاؤم عبر عنه بذلك لما أنهم كانوا إذا خرجوا مسافرين فيمرون بطائر يزجرونه فإن مر سانحاً بأن مر من ميامن الشخص إلى مياسره تيمنوا وإن مر بارحاً بأن مر من المياسر إلى الميامن تشاءموا لأنه لا يمكن للمار به كذلك أن يرميه حتى ينحرف فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان سبباً لهما من قدر الله تعالى وقسمته عز وجل أو من عمل العبد الذي هو سبب الرحمة والنعمة أي تساءمنا ‏{‏بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ‏}‏ في دينك حيث تتابعت علينا الشدائد وقد كانوا قحطوا ولم نزل في اختلاف وافتراق مذ اخترعتم دينكم، وتشاؤمهم يحتمل أن يكون من المجموع وأن يكون من كل من المتعاطفين‏.‏

‏{‏قَالَ طَائِرُكُمْ‏}‏ أي سببكم الذي منه ينالكم ما ينالكم من الشر ‏{‏عَندَ الله‏}‏ وهو قدره سبحانه أو عملكم المكتوب عنده عز وجل ‏{‏بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ‏}‏ اضراب من بيان طائرهم الذي هو مبتدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الداعي إليه أي بل أنتم قوم تختبرون بتعاقب السراء والضراء أو تعذبون أو يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة، وجاء ‏{‏تُفْتَنُونَ‏}‏ بتاء الخطاب على مراعاة ‏{‏أَنتُمْ‏}‏ وهو الكثير في «لسان العرب»، ويجوز في مثل هذا التركيب ‏{‏يُفْتَنُونَ‏}‏ بياء الغيبة على مراعاة لفظ ‏{‏قَوْمٌ‏}‏ وهو قليل في لسانهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏48‏]‏

‏{‏وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ‏(‏48‏)‏‏}‏

‏{‏وَكَانَ فِى المدينة‏}‏ أي مدينة ثمود وقريتهم وهي الحجر ‏{‏تِسْعَةُ رَهْطٍ‏}‏ هو اسم جمع يطلق على العصابة دون العشرة كما قال الراغب؛ وفي الكشاف هو من الثلاثة أو من السبعة إلى العشرة، وقيل‏:‏ بل يقال إلى الأربعين وليس بمقبول، وأصله على ما نقل عن الكرماني من الترهيط وهو تعظيم اللقم وشدة الأكل، وقد أضيف العدد إليه‏.‏ وقد اختلف في جواز إضافته إلى اسم اجلمع فذهب الأخفش إلى أنه لا ينقاس وما ورد من الإضافة إليه فهو على سبيل الندور، وقد صرح سيبويه أنه لا يقال ثلاث غنم‏.‏

وذهب قوم إلى أنه يجوز ذلك وينقاس وهو مع ذلك قليل، وفصل قوم بين أن يكون اسم الجميع للقليل كرهط ونفر وذود فيجوز أن يضاف إليه إجراء له مجرى جمع القلة أو للكثير أو يستعمل لهما فلا يجوز إضافته إليه بل إذا أريد تمييزه به جيء به مقروناً بمن كخمسة من القوم، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 260‏]‏ وهو قول المازني‏.‏ واختار غير واحد أن إضافة تسعة إلى رهط ههنا باعتبار أن رهطاً لكونه اسم جمع للقليل في حكم أشخاص ونحوه من جموع القلة وهي يضاف إليها العدد كتسعة أشخاص وستع أنفس وهذا معنى قولهم‏:‏ إن وقوع رهط تمييزاً لتسعة باعتبار المعنى فكأنه قيل تسعة أشخاص، وقيل أي تسعة أنفس‏.‏ وتأنيث العدد لأن المذكور في النظم الكريم ‏{‏رَهْطٍ‏}‏ وهو مذكر فليس ذاك من غير الفصيح كقوله ثلاثة أنفس وثلاث ذود، نعم تقدير ما تقدم أسلم من المناقشة، وأما ما قيل أي تسعة رجال ففيه الغفلة عما أشرنا إليه، ثم إنه ليس المراد أن الرهط بمعنى الشخص أو بمعنى النفس بل أن التسعة من الأشخاص أو من الأنفس هي الرهط فليس المعدود بالتسعة ما دل عليه الرهط من الجماعة ليكون هناك تسع جماعة لا تسعة أفراد‏.‏

وقال الإمام الأقرب أن يكون المراد تسعة جمع إذ الظاهر من الرهط الجماعة، ثم يحتمل أنهم كانوا قبائل، ويحتمل أنهم دخلوا تحت العدد لاختلاف صفاتهم وأحوالهم لا لاختلاف النسب اه، وقيل‏:‏ كان هؤلاء التسعة رؤساء مع كل واحد منهم رهط، ولذا قيل تسعة رهط وأسماؤهم عن وهب‏.‏ الهذيب بن عبد رب‏.‏ وعنم بن غنم‏.‏ ودباب بن مهرج‏.‏ وعمير بن كردية‏.‏ وعاصم بن مخزمة‏.‏ وسبيط بن صدقة‏.‏ وسمعان بن صفى‏.‏ وقدار بن سالف وهم الذين سعوا في عقر الناقة وكانوا عتادة قوم صالح ومن أبناء أشرافهم، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن أسماءهم دعمى‏.‏ ودعيم‏.‏ وهرمى‏.‏ وهريم‏.‏ ودواب‏.‏ وصواب‏.‏ ودياب‏.‏ ومسطح‏.‏ وقدار وهو الذي عقر الناقة ‏{‏يُفْسِدُونَ فِى الارض‏}‏ لا في المدنية فقط افساداً بحتاً لا يخالطه شيء من الصلاح كما ينطق به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يُصْلِحُونَ‏}‏ أي لا يفعلون شيئاً من الاصلاح أو لا يصلحون شيئاً من الأشياء، والمراد أن عادتهم المستمرة ذلك الإفساد كما يؤذن به المضارع، والجملة في موضع الصفة لرهط أو لتسعة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏49‏]‏

‏{‏قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

‏{‏قَالُواْ‏}‏ استئناف بيان بعض ما فعلوا من الفساد أي قال بعضهم لبعض في أثناء المشاورة في أمر صالح عليه السلام‏.‏ وكان ذلك على ما روي عن ابن عباس بعد أن عقروا الناقة أنذرهم بالعذاب، وقوله‏:‏ ‏{‏تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثلاثة أَيَّامٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 65‏]‏ الخ ‏{‏تَقَاسَمُواْ بالله‏}‏ أمر من التقاسم أي التحالف وقع مقول القول وهو قول الجمهور‏.‏

وجوز أن يكون فعلاً ماضياً بدلاً من ‏{‏قَالُواْ‏}‏ أو حالا من فاعله بتقدير قد أو بدونها أي قالوا متقاسمين ومقول القول ‏{‏لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ‏}‏ الخ، وجوز أبو حيان على هذا أن يكون بالله من جملة المقول‏.‏ والبيات مباغتة العدو مفاجأته بالإيقاع به ليلاً وهو غافل‏.‏ وأراد واقتله عليه السلام وأهله ليلاً وهم غافلون‏.‏ وعن الاسكندر أنه أشير عليه بالبيات فقال‏:‏ ليس من آيين الملوك استراق الظفر‏.‏

وقرأ ابن أبي ليلى ‏{‏تُقْسِمُواْ‏}‏ بغير ألف وتشديد السين، والمعنى كما في قراءة الجمهور‏.‏ وقرأ الحسن‏.‏ وحمزة‏.‏ والكسائي ‏{‏لتبيتنه‏}‏ بالتاء على خطاب بعضهم لبعض‏.‏ وقرأ مجاهد‏.‏ وابن وثاب‏.‏ وطلحة‏.‏ والأعمش ‏{‏ليبيتنه‏}‏ بياء الغيبة‏.‏ و‏{‏قَالُواْ تَقَاسَمُواْ‏}‏ على هذه القراءة لا يصح إلا أن يكون خبراً بخلافه عنالقراءتين الأوليين فإنه يصح أن يكون خبراً كما يصح أن يكون أمراً‏.‏ وذلك لأن الأمر خطاب والمقسم عليه بعده لو نظر إلى الخطاب وجب تاءالخطاب ولو نظر إلى صيغة قولهم عند الحلف وجب النون فأما ياء الغائب فلا وجه له‏.‏ وإما إذا جعل خبراً فهو على الغائب كما تقول حلف ليفعلن ‏{‏ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيّهِ‏}‏ أي لولي صالح‏.‏ والمراد به طالب ثاره من ذوي قرابته إذا قتل‏.‏ وقرأ ‏{‏لتقولن‏}‏ بالتار من قرأ ‏{‏لتبيتنه‏}‏ كذلك‏.‏ وقرأ ‏{‏بِئَايَةٍ لَّيَقُولَنَّ‏}‏ بياء الغيبة من قرأ بها فيما تقدم‏.‏ وقرأ حميد بن قيس الأول بياء الغيبة وهذا بالنون‏.‏ قيل‏:‏ والمعنى على ذلك قالوا متقاسمين بالله ليبيتنه قوم مناثم لنقولن جميعنا لوليه ‏{‏مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ‏}‏ أي ما حضرنا هلاكهم على أن ‏{‏مُهْلِكَ‏}‏ مصدر كمرجع أو مكان هلاكهم على أنه للمكان أو زمان هلاكهم على أنه للزمان‏.‏ والمراد نفي شهود الهلاك الواقع فيه‏.‏ واختاروا نفي شهود مهلك أهله على نفي قتلهم إياهم قصداً للمبالغة كأنهم قالوا ما شهدنا ذلك فضلاً عن أن نتولى إهلاكهم‏.‏ ويعلم من ذلك نفي قتلهم صالحاً عليه السلام أيضاً لأن من لم يقتل اتباعه كيف يقتله، وقيل في الكلام حذف أي ما شهدنا مهلك أهله ومهلكه، واستظهره أبو حيان ثم قال وحذف مثل هذا المعطوف جائز في الفصيح كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 81‏]‏ أي والبرد وقال الشاعر‏:‏

فما كان بين الخير لو جاء سالما *** أبو حجر الا ليال قلائل

أي بين الخير وبيني اه وفيه ما لا يخفى‏.‏ وقيل‏:‏ الضمير في ‏{‏أَهْلِهِ‏}‏ يعود على الولي‏.‏ والمراد بأهل الولي صالح وأهله‏.‏ واعترض بأنه لو أريد أهل الولي لقيل أهلك أو أهله‏.‏ ومنع بأن ذلك غير لازم‏.‏ فقد قرىء ‏{‏قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 12‏]‏ بالخطاب والغيبة ووجه ذلك ظاهر‏.‏ نعم رجوع الضمير إلى الولي خلاف الظاهر كما لا يخفى‏.‏ وقرأ الجمهور ‏{‏مُهْلِكَ‏}‏ بضم الميم وفتح اللام من أهلك وفيه الاحتمالات الثلاث‏.‏ وقرأ أبو بكر ‏{‏مُهْلِكَ‏}‏ بفتحهما على أنه مصدر ‏{‏وِإِنَّا لصادقون‏}‏ عطف على ‏{‏مَا شَهِدْنَا‏}‏ كما ذهب إليه الزجاج‏.‏ والمعنى ونخلف وإنا لصادقون‏.‏ وجوز أن تكون الواو للحال أي والحال إنا لصادقون فيما ذكرنا واستشكل ادعاؤهم الصدق في ذلك وهم عقلاء ينفرون عن الكذب ما أمكن‏.‏ وأجيب بأن حضور الأمر غير مباشرته في العرف لأنه لا يقال لمن قتل رجلاف أنه حضر قتله وإن كان الحضور لازماً للمباشرة فحلفوا على المعنى العرفي على العادة في الإيمان وأوهموا الخصم أنهم أرادوا معناه اللغوي فهم صادقون غير حانثين، وكونهم من أهل التعارف أيضاً لا يضر بل يفيد فائدة تامة، وقال الزمخشري‏.‏ كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين، ثم قالوا ما شهدنا مهلك أهله فذكروا أحدهما كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما‏.‏ وتعقب بأن من فعل أمرين وجحد أحدهما لم يكن في كذبه شبهة وإنما تتم الحيلة لو فعلوا أمرا واحداً وادعى عليهم فعل أمرين فجحدوا المجموع‏.‏ ولذا لم يختلف العلماء في أن من حلف لا أضرب زيداً فضرب زيداً وعمراً كان حانثاً بخلاف من حلف لا أضرب زيداً وعمراً ولا آكل رغيفين فأكل أحدهما فإنه محل خلاف للعلماء في الحنث وعدمه، والحق أن تبرئتهم من الكذب فيما ذكر غير لازمة حتى يتكلف لها وهمالذين كذبوا على الله تعالى ورسوله عليه السلام وارتكبوا ما هو أقبح من الكذب فيما ذكر، ومقصود الزمخشري تأييد ما يزعمه هو وقومه من قاعدة التحسين والتقبيح بالعقل بموافقة قوم صالح عليها ولا يكاد يتم له ذلك